محمد بن أحمد الشاذلي ( ابن زغدان )
13
قوانين حكم الاشراق إلى كافة الصوفية بجميع الآفاق
القانون الأوّل قانون التأييد بمقامات التوحيد قال اللّه تعالى : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [ محمد : 19 ] : حقيقة : أحدية الذّات غيب في الأزل ووحدانيتها ظهور في الأبد « 1 » ، والواحد القديم ما لا أول له ولا آخر . دقيقة : عمل التوحيد علمه ، وعلمه عمله ، لذلك من علمه عمل ، ومن عمل به علم . وما عمل التوحيد عند محقّق * سوى فافهم لحكمة وحدة تشاهد أنوار تلوح وتجتلي * وكثرتها تبدو من الفرد فأثبت حقيقة : توحيد هو تعداد ، وتوحيد أنا إفراد « 2 » .
--> ( 1 ) اعلم أن الأحديّة والواحديّة ولو كانتا ذاتين لوحدة الذات ، ولكن أحديتها مقام انقطاع الكثرة الوهمية ، والنسب العلمية جملة واحدة ، وفيضها بذاتها لذاتها أقدس من أن يتوهم فيها الغير . وأمّا واحديتها وإن انتفت الكثرة الوجوديّة ، ولكن الكثرة العلمية والنسب الوهميّة حاصلة لا محالة ، وفيضها بذاتها لذاتها لكن بتوهم الغير فهو مقدّس عن وجود الغير لا عن توهمه ، فافهم بل الواحد أول العدد في تفصيل مراتب الأعداد فحضرة الأحدية هي حضرة الذات وحضرة الواحديّة هي الأسماء ، فإذا عرفت هذا فاعلم أنه رضي اللّه عنه يقول : تنزّلي بالحكم بطريق أحديّة الذات ولها المقام الأقدم فهي عين الذات لا بطريق الواحديّة القديمة ؛ كما صرّح بذلك الشيخ الأكبر في الفصوص . فإن قيل : إن التجلّي من الأحدية لا يصح ؛ لأن الأحدية لا تقبل المثاني . قلنا : صدقت إن الأحدية لا تقبل المثاني : أي الثاني الذي غيره ، ونحن ذهبنا إلى أن القابل في الأحدية إنما هو نور الحق ، فقبل التجلّي الحق بالحق لا غير ولا ثاني ، فافهم . فالتجلي الذي من الأحدية يقبل الفيض الأقدس لكمال قدسه عن شائبة الكثرة كما فهمته ، بل هو أقدس من المقدس ، والتجلّي الذي هو من الواحديّة يقبل الفيض المقدس وفيه الكثرة الوهمية الاعتبارية العلمية . ( 2 ) التوحيد : هو حقيقة لا تنقسم ، في وحدة لا تتعدد ، في عدد لا يتناهى ، وحقيقته : معنى لا تحدده القلوب ، ولا تتصوره العقول ، ولا يوصله بلاغة العبارة بالمقول ، وغايته : نفي كل غير ، مع وجود شهوده كل غير ، الناطق عنه مقرّ بالخبر ، والشاهد ذاهل ، والغائب عنه جاهل ، والمدّعي له مبطل ، والعاجز عنه متخلف ، فإنه وراء كل غاية ينتهى إليها ، فكل واحد يجازى فيه بقدر ظنه ؛ لأن شرط العلم الإحاطة ، وهو معنى يستحيل دخوله تحت الإحاطة ؛ فلا علم ، ووجوده مكنة تستلزم ما لا يقدر عليه ، والمخصوص به هو المعجوز عمّا حصل له اه .